حسن الأمين

303

مستدركات أعيان الشيعة

قال الصولي : « والبواقيل سفن صغار » . قال المرتضى : « أخطا الصولي » في تفسير « البواقيل » بأنها سفن صغار ، لأن البواقيل جمع « بوقال » . وهو آلة على هيئة الكوز معروفة ، تعمل من الزجاج وغيره ، وهذا مثل قول ابن الرومي : « أمر به في الكوز مر المجانب » . « وإنما أراد أنني لا أمر بماء النيل إلا إذا أردت شربه في » كوز « أو » بوقال « ، وأظن » الصولي « استمر عليه الوهم من جهة قوله : » فمن رأى النيل « ، وصرف ذلك إلى أنه أراد » النيل « على الحقيقة ، وإنما أراد ماء النيل ، وما علمت أن السفن الصغار يقال لها » بواقيل « إلا من قول » الصولي « . هذا لو كان ما ذكره صحيحا من أن ذلك اسم لصغار السفن لكان بيت » أبي نواس « بما ذكرناه أشبه وأليق ، وأدخل في معنى الشعر ، وكيف تدخل عليه الشبهة في ذلك مع قوله : « فمن رأى النيل رأى العين من كثب » . ومن رأى النيل في السفن فقد رآه من كثب ، ومن رأى ماء في الآنية لا يكون رائيا له من كثب . ومن لفتات « المرتضى » النقدية البارعة تصويره لكيفية لقاح المعاني وتناسلها ، وولادة بعضها من بعض بالتركيب والامتزاج ، أو التداخل ، ونصه على أن دعوى أخذ شاعر من شاعر ، وسرقة معنى من معنى ، أمر يجب التورع فيه ، والتحرج من إطلاقه ، فالمعاني نفسها إذ تعلق في الدهن ، وتقر في رحم اللا شعور تتلاقح وتولد كائنا جديدا ، يأخذ من كل بعض خصائصه ، فما نراه من تشا به بين المعاني السابقة واللاحقة لا يعني أن المولود الجديد يلحق بغير من ادعاه ، أو ولد على فراشه ، بل هو له وإن لاحت عليه شمائل غير أبيه ، إذ أن سنة تلاقح المعاني في الذهن تقضي بهذا التشابه والاختلاف . لهذا نرى « الشريف » يتحرج من إطلاق القول في أخذ شاعر من شاعر ، وسرقة بيت من بيت ، وغاية ما يبيح لنفسه أن يقول : « سبق إلى هذا المعنى ، أو كأنه نظر إلى هذا المعنى ، أو لمح بهذا المعنى ذلك المعنى » . يقول وهو يستعرض المعاني الواردة في مدح الشيب وذمه : « هذه المعاني قد تتشعب وتتركب وتمتزج فيتولد بينها من المعاني ما لا ينحصر وينضبط ، بحسب قوة طباع الشاعر ، وصحة قريحته وغريزته . ( 1 ) ويقول : « ليس ينبغي لأحد أن يقدم على أن يقول أخذ فلان الشاعر هذا المعنى من فلان ، وإن كان أحدهما متقدما والآخر متأخرا » ، لأنهما ربما تواردا من غير قصد ، ولا وقوف من أحدهما على ما تقدم الآخر إليه ، وإنما الإنصاف أن يقال : هذا المعنى نظير هذا المعنى ، ويشبهه ويوافقه ، فاما أخذه وسرقه فمما لا سبيل إلى العلم به ، لأنهما قد يتواردان على ما ذكرناه ، ولم يسمع أحدهما بكلام الآخر ، وربما سمعه فنسيه وذهب عنه ، ثم اتفق له مثله من غير قصد ، فلا يقال : « أخذه وسرقه . ( 2 ) وخلاصة القول في أدبه الوصفي أنه بحكم ما جهز به « المرتضى » من وقوف على اللغة وأساليبها ، وبتأثير ما زود به من ثقافات متنوعة ، عاد من أقدر ناقدي عصره إن لم يكن أقدرهم جميعا على التصرف في النص ، والتحكم في بواطنه وخفاياه ، وبلوغ أقصى ما يحتمله من دلالات . ولكن هذه القدرة على التصرف ، والتمكن من استخراج سائر المحتملات من النص ربما أغرته بقبول المتكلف المتعمل من وجوه النص . وأمر آخر داخل أدبه الوصفي فأصر به عبارة وفكرة ، هو شيوع النزعة العلمية وطغيانها عليه ، فالتقسيمات المنطقية ، والعرض المبوب المرتب ، جعل بحوثه الأدبية أشبه بالبحوث العلمية ، المعنية بتقرير الحقائق أكثر من العناية بجمال التصوير والتعبير . ولو استطاع « المرتضى » أن يتناسى شخصيته العلمية حين يطرق أبواب الأدب ، وأن يخلص من عقائده الكلامية ، مكتفيا منها بما أتت من آثار في شحذ أفكاره وأرهاف ذهنه ، لأبدع في النقد غاية الإبداع ، ولكن أنى له بذلك وهو يمشي إلى الأدب بروح المتكلم الفقيه . أدبه الإنشائي [ النشر ] النثر : إن نثر « المرتضى » الأدبي قليل النصوص ، فلا نعرف له رسائل إنشائية ولا كتبا ديوانية ، ولا خطبا في السياسة أو الدين . وكل ما بأيدينا من نثره مقتبس من كتبه ، في مقدماتها المفتتحة عادة بالحمد والبسملة ، ثم بتصوير ما قصد إليه الكتاب ، وما ألم به من أمهات المسائل ، والملاحظ في هذه المقدمات الإيجاز والإيماء إلى ذكر الباعث على تأليف الكتاب ، والمنهج الذي يتبعه فيه ، والقصد الذي يرمي إليه ، على وجه يمكن القارئ من الدخول في الموضوع وهو على بينة من أمره ، في غير التزام لأسلوب بعينه ، ولا طريقة بذاتها فقد يسترسل ، وقد يسجع ، وقد بجمع بين الأمرين . فمن الاسترسال ما قدم به كتابه « الشافي » : « الحمد لله ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، محمد وآله الطاهرين النقباء . سالت - أيدك الله - تتبع ما انطوى عليه الكتاب المعروف ب ( المغني من الحجاج في الإمامة ) وإملاء الكلام على شبهه بغاية الاختصار ، وذكرت أن مؤلفه قد بلغ النهاية في جمع الشبه ، وأورد قوى ما اعتمده شيوخه ، مع زيادات يسيرة سبق إليها ، وتهذيب مواضع تفرد بها ، وقد كنت عزمت - عند وقوع هذا الكتاب في يدي - على نقض ما اختص منه بالإمامة ، على سبيل الاستقصاء ، فقطعني عن إمضاء ذلك قواطع ، ومنعت منه موانع ، كنت متوقعا لانحسارها ، فابتدىء به وأنا الآن عامل على إملاء ما التمسته ، وعادل عن بسط الكلام ونشره ، إلى غاية ما يمكن من الاختصار والجمع ، ومعتمد حكاية أوائل الكلام ، وأطراف فصوله ، وموقع الحوالة على كتابه ، ليكون ذلك أدخل فيما نحوته من الاختصار . وهذا الكتاب - إذا أعان الله عليه ، ووفق لبلوغ الغرض فيه - يكون جامعا لأصول الإمامة وفروعها ، ومحيطا من الكتب المهذبة ، والنكت المحررة ، بما لا يوجد في شيء من الكتب المصنفة ، وإلى الله الرغبة في تيسير ذلك وتسهيله ، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه ، ومقرونا بمنه وجوده « . ( 3 )

--> ( 1 ) طيف الخيال ص 16 ط مصر . ( 2 ) الشهاب ص 7 ط الجوائب . ( 3 ) الشافي ص 1 ج 1 ط إيران .